عملية الاصلاح الاقتصادي ومدى الجدية في الاجراءات التقشفية


منذ عقود خلت كان العجز المالي سمة من سمات الموازنة العامة، وقد تفاقم هذا العجز بشكل أكبر منذ منتصف عام 2014 بسبب الانخفاض الكبير في واردات النفط الناجمة عن الانحدار الكبير في اسعار النفط العالمية، إلى جانب استمرار تنامي حجم الانفاق الحكومي بشكل غير عقلاني وغير مبرر. وكل ذلك دفع إلى مطالبة الاقتصاديين وبعض السياسيين وجماهير الشعب إلى تبني عملية الاصلاح الاقتصادي لمعالجة الوضع الاقتصادي والمالي الصعب. 

واستجابة للضغوط هذه فقد اعلنت الحكومة تبنيها لعملية الاصلاح والتي اشتملت على تخفيض الانفاق العام والسعي لزيادة الموارد النفطية من خلال زيادة حجم الانتاج فضلا عن تنمية الموارد غير النفطية من قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة وغيرها. وقد كان من المتوقع ان يتم تخفيض الانفاق بشكل كبير وفعال في جميع جوانب الانفاق العام واللجوء إلى التقشف بالشكل الذي يتناسب مع حجم المشكلة القائمة، وزيادة حجم الايرادات ايضا من خلال فرض الضرائب على الدخول العالية وعلى بعض السلع الكمالية وغير الضرورية وفرض أو زيادة الرسوم على بعض النشاطات التجارية والارباح الناجمة عن راس المال Capital Gains)) وبعض الخدمات التي تقدمها الدولة لبعض الفئات الاجتماعية الميسورة. وبموجب شروط صندوق النقد الدولي يتعين على الحكومة ان تفرض ضريبة على رواتب الرئاسات الثلاث والنواب والوزراء والوكلاء والدرجات الخاصة وذلك لان الصندوق يعتبر ان تلك الرواتب مبالغ بها وأنها تزيد اضعافا على رواتب نظرائهم في الدول المتقدمة والغنية. ولا نعلم هل ان الحكومة ستطبق هذا المطلب أم لا. كما وجهت الحكومة بتقليص الحمايات لمختلف المسؤولين بنسبة معينة قد تقارب الثلاثين في المائة.

والملاحظ ان الاجراءات التي اتخذتها الحكومة لم تكن بالمستوى المطلوب، اذ اكتفت ببعض اللمسات الخفيفة وغير المؤثرة هنا وهناك تجنبا لضغوط ومعارضة الكتل السياسية المتنفذة وغير المتنفذة. فقد اعلنت الحكومة عن اجراء تخفيض متواضع في رواتب الرئاسات الثلاث والدرجات الخاصة. وفي نفس الوقت قامت الحكومة باستقطاع نسبة من رواتب الموظفين (بما فيهم صغار الموظفين) وكذلك المتقاعدين بذريعة توجيهها إلى الحشد الشعبي والنازحين وربما لتغطية النفقات لبعض الخدمات، فضلا عن فرض أو زيادة الرسوم على بعض الخدمات التي تقدمها الدولة، والإجراءات الأخيرة تقع على كاهل الفئات الفقيرة.

ونحن نعتقد انه كان لزاماً على الحكومة ان تلجأ إلى اجراءات اضافية اخرى لتقليص الانفاق العام من اجل تقليص العجز في الموازنة من جهة وتقليص الهوة بين المسؤولين وبين بقية أفراد الشعب تحقيقا للعدالة الاجتماعية وتجنبا لردود الافعال المتوقعة من الجماهير الشعبية الغاضبة وهي ترى الفرق بين الرفاهية المبالغ بها للمسؤولين وبين الظلم والاجحاف الواقع على باقي جماهير الشعب. ويرى الكثير من المراقبين والمحللين وجماهير الشعب بانه كان على الحكومة ان تقوم بإجراء تخفيض أكبر بكثير مما جرى في حمايات المسؤولين بمختلف مستوياتهم، ابتداء من رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء ومجلس النواب ونزولا إلى الوكلاء ورؤساء الهيئات والمدراء العامين وهكذا. ذلك لان حجم الحمايات ما يزال كبيرا بشكل غير مبرر وغير معقول وبعيد جدا عما هو مألوف في جميع بلدان العالم وان استمراره على ما هو عليه لا يمكن تبريره على اساس الوضع الامني بل أصبح بابا للفساد والاستغلال وهدر كبير للمال العام. وأصبح المسؤولون يسيرون بمواكب طويلة من السيارات والسيارات المصفحة وكأنهم سائرون إلى جبهات القتال! وليس في شوارع العاصمة. وإذا افترضنا جدلا ان الوضع الامني في العراق يبرر كل هذه الحمايات والسيارات والاسلحة فماذا على المواطنين العاديين ان يفعلوا لحماية أنفسهم! ثم إذا كان المسؤولون خائفين من الشعب إلى هذه الدرجة لماذا يتقدمون إلى هذه المناصب؟ ليتركوها إلى غيرهم ويذهبوا إلى حال سبيلهم وجزاهم الله خير الجزاء، مع اننا نسمع دوما ان المسؤولين منتخبون من الشعب وانهم يمثلون الشعب فلماذا كل هذا الخوف من الشعب؟ وإذا لم يكن خوفا فهل هو لإشباع غرورهم؟

اننا نعلم علم اليقين ان باب الحمايات اصبحت بابا للارتزاق لان الكثير من المسؤولين لا يملكون كل هذا العدد المخصص للحماية.

وإذا انتقلنا إلى القصور والمباني التي يحتلها المسؤولون ورؤساء الكتل والاحزاب والاشخاص المتنفذون دون مقابل فحدث ولا حرج، ولو قامت الحكومة بإخلاء هذه المباني واستخدمتها للأغراض الحكومية أو قامت بتأجيرها من خلال مزاد علني نزيه لحصلت على موارد ل اباس بها ولحققت نوعا من العدالة الاجتماعية وقضت على الفساد في هذه المجال. كما ان الاعداد الكبيرة من المركبات المخصصة لكبار ومتوسطي المسؤولين بما فيها تكاليف الوقود والصيانة والاستغلال والهدر فإنها تشكل مبالغ كبيرة جدا يمكن ان توجه إلى جوانب أكثر اهمية وجدوى اقتصادية. وعندما نقارن كيف يعيش كبار المسؤولين والسياسيين في العراق مع المسؤولين في البلدان المتقدمة والبلدان الديمقراطية الحقيقية (حيث يتنقل رئيس الوزراء في الباص أو القطار ولوحده، وتتسوق أنجلا ميركل لوحدها من السوبرماركت وتسكن في شقتها الخاصة وليس في قصر يعود للدولة وهي رئيسة المانيا العظيمة، أدركنا الفرق الشاسع بين الاثنين، الامر الذي يثير الاستغراب والغضب في ان واحد. فمن يريد تحقيق الاصلاح عليه ان يعالج جميع الجوانب التي من شانها اصلاح الوضع الاقتصادي والذي ينعكس على الوضع الاجتماعي والسياسي.

كل هذه الوقائع لا تنسجم مع عملية الاصلاح الحقيقي التي ينادي بها الجميع ولا تحقق التقشف المزعوم وبالتالي لن تعالج مشكلة الموازنة العامة المزمنة بشكل فعال مما يستدعي تطبيق جميع المقترحات المذكورة اعلاه بهدف تعزيز عملية الاصلاح الاقتصادي وتحقيق اهدافها المنشودة.

 

 

دكتور مدحت كاظم القريشي 

(*) خبير اقتصادي واستاذ جامعي

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك
فيسبوك