فاخر الياسري ... مقاصد التعبير القرآني

4310 2017-06-04

عادة ما تأخذ غايات تفسير القرآن الكريم ودراساته اللغوية والجمالية أبعادا تتجاوز مقصد تقديم نظريّات أو مفاهيم قرآنيّة معينة تهدف إلى محاولة تجذير هذه المفاهيم  في بنية الثقافة العامة للمجتمع الإسلامي الذي يحيا لحظة راهنة مختلفة عن لحظة نزول القرآن قبل أكثر من أربعة عشر قرنا، وبذلك فإن الجهود التي يقوم بها من ينبري للنصوص القرآنية من الدارسين المعاصرين محللا ومفسرا وشارحا للدلالات المتجددة تجدد الزمن لهي جهود تفرض على الدارس المعاصر عنتا مضاعفا يتمثل في صعوبة غربلة الأنماط المتعددة والمتعارضة أحيانا للفهم التأويلي الواقع تحت ضغط مرجعيات معرفية وفلسفية متنوعة تناوبت النص القرآني خلال هذه القرون الممتدة حتى وصل الضغط –أحيانا- إلى مستويات مقلقة تبعد هذا النص عن واقعه الطبيعي وفضائه الثقافي الذي توجه إليه بهدف التغيير والهداية للّتي هي أقوم!

ولما كان النص القراني ينهض على تقنيات دلالية واخرى معرفية فان جهد دراسته وتفسيره سينصب على الكشف عن تلك التقنيات التي جعلت – وما زالت تجعل- من هذا النص خطابا مفتوحا امام ذائقة لا نهائية وامام تذوق متجدد.

وعلى أساس من هذا الزعم يبني الدكتور فاخر الياسري المولود في مدينة البصرة عام 1957م، والمتحصّل على أستاذيّة الدراسات اللغوية والنحوية والقرآنيّة في كلية التربية بجامعتها واحدا من كتبه العديدة التي ترصد الظاهرة القرآنية ابتداءً من كتابه: (خطرات في اللغة القرآنية ) مرورا بكتابيه: (من الدراسات اللغوية القرانية، وفي الأفق القرآني) وانتهاء بكتابه الذي يحمل عنوان هذا المقال الموجز ( مقاصد التعبير القرآني) الصادر بطبعته الأولى عن دار الحامد في عمان- الأردن في العام الماضي 2016م.

ويحدد الدكتور الياسري في مقدمة كتابه (مقاصد التعبير القرآني، دراسة في بعض قصار السور) هدفه الدائر في فلك لغة القرآن وسحرها الفائق مبيّنا رغبته بمحاولة الظفر بالدلالة السابحة في فضاء هذا الفلك، وهذه –بلا ريب- محاولة شكلت قطب الرحى الذي دارت حوله الدراسات اللغوية الحديثة وهي تترصد النص القرآني جاعلة نصب عينها دلالاته الفيّاضة بالمقصد المعبّر، ومتخذة من مضامين آيه وسيلة للمعاينة والفحص والتحليل والإجراء الذي استهدف في هذا الكتاب أربعا من قصار السور، هي : (الفاتحة والماعون والكوثر والناس).

يلتفت الياسري الذي نتمنى أن يكمل مشروعه العلمي في تحليله لكل قصار السور إلى أربع من هذه السور كما أوضحنا، وأولها: الحمد وهذه إحدى التسميات التي درج عليها   المفسرون للإشارة إلى سورة (الفاتحة) إضافة إلى مسميات أخر كأم الكتاب والمثاني والأساس والكافية وسوى ذلك، وقد فضّل الباحث الياسري مسمى (الحمد) لهذه السورة المباركة التي سنعرض –بإيجازشديد- لمنهجيته في الفهم والتفسير فيها، إذ يعود اختياره لهذا المسمى دون غيره لابتداء السورة بذكره أولا، ولأن الحمد هو: كلّ ما يتحصّل في الكائن من الحسن، ولأنه أعم من الشكر لكونه عينا للنعمة ثانيا.

ويقف الدكتور الياسري متأملا الصفتين المتتابعتين في قوله تعالى: (الرحمن الرحيم) فيجد أن صفة الرحيم قد أردفت صفة الرحمن من باب التوكيد المفيد للاستمرار والثبات والدوام، أي استمرار الصفة (الرحيمية) للصفة (الرحمانية)، ويتساءل عندما يصل قوله تعالى: (مالك يوم الدين) لم كانت المالكيّة لليوم وهو ظرف زمان مع أنّ مالكيّته –سبحانه وتعالى- شاملة ومستغرقة لكلّ ما فيه؟ ويرى أن الحياة الدنيا هي لأجل مسمى عند الله، وبما أن هذا الأجل هو مفهوم زماني، فقد ورد ذكر اليوم الذي يمثّل عين المفهوم...

ويبيّن حين يصل قوله تعالى: ( إيّاك نعبد وإيّاك نستعين) أن سبب تقديم الضمير المنفصل (إياك) لقصد الاختصاص وهو أبلغ في القول من (نعبدك) و(نستعينك) ولا يكون هذا الاستعمال إلا في باب الخضوع لله تعالى، وبذلك اشتمل تقديم الضمير المنفصل على التخصيص وحصر العبادة والاستعانة بالله دون غيره، وهو ما يوحي إن الخطاب القرآني يريد من الإنسان التوجه لله وحده والشعور المفعم به والتعامل معه كأنه حاضر إلى درجة الحس المباشر الذي لا يدع أدنى درجة للشك واضطراب القلب.

ثم يعلّل سبب تكرار الضمير إياك مع إن الحصر يكفي للعبودية والاستعانة، مرجحا كون مطلب العبادة متلازما مع الاستعانة بما لا سبيل الى حصوله من دون ملازمِه في كل آن، اذ لا بد من ظهوره بالمرتبة نفسها من الحصر وهذا المعنى ما كان ليدل عليه من دون تكرار لفظ (إياك)، وهو ما ذهب إليه العلامّة الطبرسي الذي استنار الدكتور الياسري برأيه في هذا الموضع حين يذكر في مجمع البيان  قائلا: ( وإنه لو اقتصر على واحد ربما توهم متوهم أنه لا يتقرب إلى الله تعالى إلا بالجمع بينهما و لا يمكنه أن يفصل بينهما وهو إذا تفكر في عظمة الله تعالى كان عبادة وإن لم يستعن به! ).

وفي قوله تعالى: ( اهدنا الصراط المستقيم) تستوقف التعدية التي يشتمل عليها التركيب الباحث الياسري، إذ هي تعدية مباشرة حصلت من غير وساطة حرف الجر، فهي توحي –إذن- بهداية مباشرة أطلق عليها أهل النظر (الهداية الحسية) أما لو حصلت التعدية بحرف الجر (إلى) فإنها ستشير إلى طريق الهداية أو إلى دليلها وهو ما أسماه أهل النظر أيضا بالهداية الإرشاديّة، وهو ما يعني أن الهداية الأولى أو المباشرة هي ما تصلك بالصراط المستقيم فتلمسه بيدك فتصيب قلبه، وأما الهداية الثانية فهي ما ترشدك إلى الصراط وتدللك عليه ولو من بعيد، وقد نعت هذا الصراط بالمستقيم لأنه يمثل خط الله الأوحد الموصل للهدف الأسمى والغاية الفضلى، وهو طريق الهداية والرشاد 

وفي قوله تعالى: ( صراط الذين أنعمت عليهم) نُسب الصراط لغير الله، وهو لا يعني أنه لغير الله لأن فحوى التعبير وقصديته ترجح أن الله هو من رسم طريق الحق للمؤمنين من العباد فتقبلوه وترسموه على أكمل وجه فكانوا من الذين أنعم الله عليهم...

أما مقصد التعبير في قوله: ( غير المغضوب عليهم ولا الضالّين) والبرغم من إشارة الروايات إلى المقصودين بقوله (غير المغضوب عليهم) و بقوله ( ولا الضالين) من أصحاب الديانات الأخرى؛ فإن الدكتور الياسري يرجح أن المغضوب عليهم هم من يخالفون حكم الله متعمدين قاصدين، وأن الضالين هم الفاعلون للمعاصي الجاحدون حكم الله، وقد جاء تقديم المغضوب عليهم على الضالين لتقدم ذكر المنعم عليهم ولكون الغضب بخلاف الإنعام، فقد اشتمل تعبير الآية على ذكر الشيء ومقابله، في حين جاء استعمال الأداة (غير) مع المغضوب عليهم، وجاءت الأداة (لا) مع الضالين، لأن (غير) تدل على المغايرة المتضمنة معنى النفي، ولأن (لا) تدل على النفي الصريح، وتبعا لدلالة قوله (المغضوب عليهم)  ولدلالة لفظة (الضالين) يكون استعمال (غير) مع الأولى و(لا) مع الثانية ضروريا لأن المغضوب عليهم أشد ظلما وقساوة من الضالين في هذا المقام..

وعلى هذا المنوال يسير الدكتور الياسري في تحليله للسور الثلاث الأخرى التي اختارها ميدانا للفحص والمعاينة متخذا من العبارة الرشيقة ومن الفكرة الهادفة الجليّة وسيلتين مؤثرتين بقارئه وصولا لإعطاء هويّة حقيقيّة للنصّ القرآني لا تجعله – بالنتيجة- مهدوراً أمام تأويلات فلسفية معقدة، أو مضاعا بين كشوفات غريبة عن سنخِه البيّن وجوهره العذبِ الفصيح.. 

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك