سريان ثقافة الطف الى كل اصقاع الدنيا -1-


بعد نكث بيعة الغدير في حجة الوداع، وجريان السقيفة على ذلك النكث، وسكوت الامة عن ذلك، وبعدها تكالب الناكثين و القاسطين و المارقين على قتال امير المؤمنين عليه السلام، وبعد اغتيال الامام علي عليه السلام وهو يصلي في مسجد الكوفة، وخذلان الحسن عليه السلام في الكوفة بعد بيعته، ومقتل سفير الحسين عليه السلام مسلم بن عقيل غدرا ثم الزحف الكوفي الى الطف حيث الحسين عليه السلام لقتله واصحابه رضوان الله عليهم  وسبي بنات الوحي والنبوة واخذهن سبايا هدايا من ابن مرجانة في الكوفة  الى ابن ميسون في الشام؛ من هنا تاسست ردت فعل قوية جدا طبقا للقانون العام لكل فعل ردت فعل، يقود رد الفعل هذه النخبة من الصحابة الصالحين ومن الفقهاء والمثقفين ولكنها ردت فعل عاقلة تمثلت في بناء ثقافة انسانية رائعة مركزها وروحها الطف سرت بقوة ومنهجية منطقية الى اصقاع الارض تمثلت في العاطفة الصادقة التي لا تشوبها منفعة يتضمنها ادب خلاق  ونظرة ثاقبة مسددة بطاعة المعصوم  ومنهج للسياسة التي ملاكها العدل.

ولعل من الضروري ان نؤكد ان جل الذين برزوا في العلم وأعطوا للإنسانية العلم النافع هم اهل ها هذه الثقافة، وقد اجاد العلامة السيد حسن الصدر صاحب كتاب ((تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام )) جزاه الله خيرا  في احصاء من قدم للعالم اجمع وللإسلام من علماء الشيعة جل العلوم المعروفة اليوم ، الكيمياء والجبر لجابر بن حيان الكوفي ، والتصنيف العشري العلوم (Decimal Classification ) الذي سمي باسم (دوي) بينما دوي نفسه يقول انه اخذه عن ابن النديم صاحب كتاب الفهرست، وكل العلماء الاخرين  الذين وضعوا اسس النحو من امثال ابو الاسود الدؤلي وواضع بحور الشعر الفراهيدي، وواضع اصول البلاغة عبد القاهر الجرجاني، وابن سيناء في الطب والفلسفة ولحقه فيها ابراهيم صدر الدين الشيرازي، وفطاحل الشعر العربي على مر التاريخ هم من اتباع مدرسة الطف حتى صارت مكتبة ادب الطف اكبر مكتبة في تاريخ البشر على الاطلاق، وحتى قيل ان الشعر علوي وسيبقى علوي، وكأن حب ال محمد صلوات الله عليهم نورا يقدح في النفوس العلم والحكمة وحب الخير ثقافة لا يستقيم العلم  بدونها . وهكذا وهذا هو التاريخ ينقل لنا انتقال تلك القافة جيلا بعد جيل والى ماشاء الله تعالى.

وسيكون من الانصاف وشيم الوفاء ان نصدر سلسلة من البحوث عن كل واحد من هؤلاء النخبة البشرية الحمالون  لتلك الثقافة الكربلائية ثقافة الطف  ولنبدأ بـ:

1- المهيار الديلمي المتوفي عام: 428هـ(1) 

هو أبو الحسن مهيار بن مرزويه الديلمي البغدادي في الرعيل الأول من ناشري لغة الضاد، دل على ذلك شعره العالي وأدبه الجزل وديوانه الفخم وكما كان عربياً في أدبه فهو علويُ في مذهبه مسلم في دينه يعتز ويفتخر بإسلامه ويتمدح بآبائه الا كاسرة ملوك الشرق وجمع بين فصاحة العرب ومعاني العجم .

( أسلم على يد السيد الشريف الرضي سنة 394 وتخرج عليه في الأدب والشعر وتوفي ليلة الأحد لخمس خلون من جمادي الثانية سنة 428 وجاهد بلسانه عن أهل البيت ومدح عليا وعدد مناقبه بشعر بديع ودافع عن حقوقه في الخلافة دفاعاً حاراً مؤثرا)( 2) . 

قال بعض العلماء: خيار مهيار خير من خيار الرضي وليس للرضي رديّ أصلا . قال ابن خلكان : كان جزل القول مقدماً على أهل وقته وله ديوان شعر كبير يدخل في أربع مجلدات، ذكره الخطيب في تاريخ بغداد واثنى عليه وذكره ابو الحسن الباخرزي في دمية القصر فقال :

هو شاعر له في مناسك الفضل مشاعر وكاتب تجلى كل كلمه من كلماته كاعب وما في قصيدة من قصائده بيت يتحكم عليه يلو وليت فهي مصبوبة بقوالب القلوب وبمثلها يعتذر الزمان المذنب عن الذنوب ويتوب ، وللسيد جمال الدين أحمد بن طاوس قدس سره شرح على لامية مهيار أسماه (كتاب الازهار في شرح لامية مهيار). 

من أشهر الشعراء الذين برزوا في النصف الاخير من القرن الرابع والنصف الاول من القرن الخامس الهجري ولعله كان أشهرهم على الاطلاق بعد استاذه الشريف الرضي ، اشتهر بالكتابة والادب والفلسفة كما اشتهر بالشعر ، كان ثائر النفس عالي الهمة قوي الشخصية معتزاً بأدبه ونسبه وهذا الذي دفعه لأن يقول : 

قومي استولوا على الدهر فتى      ومـشوا فـوق رؤس  الحقب

عـمموا بـالشمس  هـاماتهم              وبـنـوا  أبـياتهم بـالشهب

وأبـي  كـسرى على  أيوانه         أيـن  في الناس ابٌ مثل أبي

فهو كما نراه يعتز بنسبه كما يعتز بدينه وعقيدته وأي انسان لا يعتز بقوميته ولا يفخر بنسبه ، اما ان المهيار يوصم بالشعوبية لانه فخر بآبائه فذلك فما لا يقرّه الوجدان . لقد سئل الامام زين العابدين علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب عليهم السلام عن العصبية فقال : العصبية التي يأثم عليها صاحبها أن يرى الرجل شراراً قومه خيراً من خيار قوم آخرين ، وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه ، ولكن من العصبية أن يعين قومه على الظلم ، انك لتقرأ في شعر مهيار من الاعتزاز بالاسلام اكثر من اعتزازه بابائه فأسمه يقول في قصيدته بعد أن أنعم الله عليه بنعمة الاسلام ثم يعيب على  قومه حيث لم يهتدوا الى رشدهم ويرجعوا عن سفههم ويعيب عبادة النار .

دواعـي الهوى لك أن لا  تجيبا      هـجرنا تُـقى ما وصلنا iiذنوبا

قَـفَونا  غـرورك حتى انجلت            أمـورٌ أريـنَ الـعيون العيوبا

نـصبنا  لـهم أو بـلغنا  بـها           نُـهىً  لـم تدع لك فينا iiنصيبا

وقال يرثي الحسين عليه السلام في شهر المحرم سنة اثنتين وتسعين وثلثمائة 

مَـشين  لـنا بـين مـيلٍ iiوهيفِ      فـقل  في قناةٍ وقل في iiنزيف( 3)

وقال يرثي أهل البيت عليهم السلام ويذكر بيان البركة بولائهم فيما صار اليه :
 فـي الـظِباء الغادين أمس iiغزالُ     قـال  عـنه مـا لا يقول iiالخيال

طـارق  يـزعم الـفراقَ عـتابا              ويـريـنـا أن الــمـلالَ دلالُ

وقال يمدح أهل البيت عليهم السلام : 

سلا  مَن سلا : مَن بنا iiاستبدلا      وكـيف  مـحا الآخـر iiالأولا

وأي  هـوىً حـادث العهد iiأم      س أنساه ذاك الهوى المُحولا ii؟

وأيـن الـمواثيق iiوالـعاذلات      يـضيق عـليهنّ أن تـعذلا ii؟

وقال يرثي أمير المؤمنين علياً وولده الحسين عليهما السلام ويذكر مناقبهما في المحرم سنة اثنتين وتسعين وثلثمائة من قصيدة طويلة جدا : 

يـزور عـن «حَسناء» زورة iiخائفِ      تـعرّضُ  طيفِ آخرَ الليل طائف( 4)

فـأشبهها  لـم تـغدُ مـسكاً iiلـناشقٍ      كـما عـوّدت ولا رحـيقاً iiلـراشفِ

وقال يفتخر بابائه ويذكر سبقهم بالملك والسياسة ثم يذكر أهل البيت عليهم السلام وهي أول قوله في سنة سبع وثمانين وثلاثمائة : 

أتـعـلمين يــا بـنة iiالأعـاجمِ      كـم لأخـيكِ فـي الهوى من لائمِ

يـهـبّ يـلـحاه بـوجهٍ iiطـلقٍ      يـنطق  عـن قـلبٍ حسودٍ راغم

وقال يمدح أهل البيت عليهم السلام : 

بـكى الـنار سـتراً على iiالموقد      وغــار  يـغالط فـي iiالـمُنجد

أحـبّ وصـان فـورّى iiهـوىً      أضــلّ وخـاف فـلم يـنشد ؟

وقال يذكر مناقب امير المؤمنين علي بن ابي طالب صلوات الله عليه وسلامه ، وما مني به من أعدائه : إن كـنتَ ممـن يلجُ «الوادي» فسل بين البيوت عـن فـؤادي : ما فعل 

إن  كـنتَ مـمن يلجُ «الوادي» iiفسل      بـين الـبيوت عـن فؤادي : ما فعل

وهـل  رأيـت والـغريب مـا iiترى      واجـد جـسمٍ قـلبه مـنه يـضل ii؟

وقـل لـغزلان «النقا» : مات iiالهوى      وطـلـقت بـعـدكم بـنت iiالـغزل

وعــاد  عـنـكنّ يـخيبُ iiقـانصٌ      مَــدّ الـحـبالات لـكـنّ فـاحتبل

يستشعرون «الله أعلى في iiالورى»      وغـيرهم  شعاره «أعلُ iiهُبل»(5)

لــم  يـتـزخرف وثـنُ لـعابدٍ      مـنـهم يُـزيغ قـلبه ولا iiيـضل

ولا سـرى عـرق الإمـاء iiفـيهم      خـبائث  لـيست مـريئات iiالأكل

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك
فيسبوك