سريان ثقافة الطف الى كل اصقاع الدنيا - 2- 


السيد مرتضى علم الهدى المولود سنة 355 والمتوفى سنة 436 (1). 

كانت الكوفة بعد ان نقل الامام علي عليه السلام؛ العاصمة اليها ؛ موضعا للعلم والعلماء ومسجدها جامعة ينهل منه الطلبة القاصدين لها من كل اصقاع الارض، ليعود بثقافة الكوفة وعلمها الى بلدانهم، فانتشرت ثقافة الكوفي في كل العالم ، ومن اهم ثقافاتها الراحلة هي ثقافة الرثاء الحسيني والثقافة العلوية بما تحمله من عاطفة صادقة لامثيل لها في تاريخ البشر. وبالعموم ثقافة انسانية اصيلة في بغض الظلم ونبذ الظالمين وفق انموذجا كامل للانسانية يتمثل بعلي والحسين عليهما السلام ولائمة المطهرين بارادة الله تعالى وبنص كتابه الحكيم.

اخذنا امثلة من النخبة العالمية من مصر ( القاهرة ) والشام ( المعرة) والعراق( بغداد)، مثقفين ومتسلحين بثقافة االائمة لمطهرين من ال الرسول صلوات الله عليهم لابسين درع الولاء لآل محمد صلوات الله عليهم حيث كا حلوا.

لم تكن ثقافة الكوفة زاد النخبة العالمية فقط في القرن الخامس بل لازالت ممتدة الى الان وفي كل العالم، بعد ان مهد الطغاة الطريق لهجرة النخب من العراق الى اوربا وامريكا واستراليا وكل الاصقاع على سطح هذا الكوكب.

 هكذا أصبحت الكوفة مرتعا للصحابة والتابعين، وأهل البيت بالخصوص، والعلماء منهم والفقهاء والمحدثين والنحاة والشعراء والادباء، فهي بالاضافة إلى كونها مركزا سياسيا وعسكريا بحكم انتقال عاصمة الدولة الاسلامية إليها، فهي أيضا تعد مركزا مهما من مراكز العلم والعلماء والتشيع طيلة الحكم الاموي والعباسي حتى القرون الوسطى، لكن نشاطها العلمي يرز جليا في القرن الاول والثاني والثالث الهجري، وبالخصوص فترة إمامة الصادق عليه السلام، وأن مسجد الكوفة كان يعج بالعلماء والفقهاء والمحدثين، كلهم يقول: حدثني جعفر بن محمد عليهما السلام، وأن كتب السيرة والتراجم قد أحصت من تلامذة الامام الصادق عليه السلام الثقات والرواة عنه، على - اختلافهم في المقالات والاتجاهات - أربعة آلاف رجل (2).

وقال الحسن بن علي البجلي المعروف بالوشاء: " إني أدركت في هذا المسجد - مسجد الكوفة - تسعمائة شيخ، كل يقول: حدثني جعفر بن محمد عليهما السلام ) (3))(4). 

لهذا كان للكوفة اصل في ثقافة اسلامية خاصة انتقلت الى كل الاصقاع من خلال النخب الادبية والفقهية وحتى السياسية اذ عرفت بانها مصدر لكثير من الانتفاضات .

تحدثنا فغي الحلقة الاولى من هذا البحث عن مهيار الديلمي وهنا نتحدث عن

ذي المجد بن ابو القاسم علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن ابراهيم بن الامام موسى الكاظم عليه السلام مفخرة العصور ومعجزة الدهور ، نواحي فضله زاخرة بالعظمة ، فهو إمام الفقه ومؤسس أصوله ، واستاذ الكلام ونابغة الشعر وراوية الحديث وبطل المناظرة والقدوة في اللغة وبه الاسوة في العلوم العربية كلها وهو المرجع في كتاب الله العزيز ، وجماع القول انك لا تجد فضيلة الا وهو ابن بجدتها أضف الى ذلك نسبه الوضاح وأواصره النبوية الشذية ومآثره العلوية وحسبك شاهداً مؤلفاته السائرة مسير الأمثال . 

يلقب بالمرتضى ، والأجل الطاهر ، وذي المجدين ، ولقّب بعلم الهدى سنة 420 وذلك ان الوزير أبا سعيد محمد بن الحسن بن عبد الرحيم مرض في تلك السنة فرأى في منامه امير المؤمنين عليه السلام يقول له : 

قل لعلم الهدى يقرأ عليك حتى تبرأ . فقال : يا أمير المؤمنين ومَن علم الهدى ، فقال علي بن الحسين الموسوي : فكتب اليه فقال رضي الله عنه : الله الله في أمرى فإن قبولي لهذا اللقب شناعة عليّ فقال الوزير : والله ما كتبت اليك إلا ما أمرني به أمير المؤمنين عليه السلام(5) . 

وكان يلقب بالثمانين لما كان له من الكتب ثمانون الف مجلد ، ومن القرى ثمانين قرية تجبى اليه ، وكذلك من غيرهما حتى أن مدة عمره كانت ثمانين سنة وثمانية أشهر ، وصنف كتاباً يقال له الثمانون . ومن تصانيفه المشهورة منها الشافي في الامامة لم يصنف مثله في الإمامة وكتاب الشيب والشباب وكتاب الغرر والدرر وله ديوان شعر يزيد على عشرين الف بيت وقد طبع اخيراً في بغداد وقد قيل : لولا الرضي لكان المرتضى أشعر الناس ، ولولا المرتضى لكان الرضي أعلم الناس . قال آية الله العلامة : وبكتبه استفادت الإمامية منذ زمنه رحمه الله الى زماننا هذا وهو سنة 693 وهو ركنهم ومعلّمهم قدس الله روحه وجزاه عن أجداده خيراً . انتهى . 

وذكره الخطيب في تاريخ بغداد واثنى عليه وقال : كتبت عنه وعن جامع الأصول انه عده ابن الأثير من مجددي مذهب الإمامية في رأس المائة الرابعة . 

قال ابن خلكان في وصف علم الهدى : كان نقيب الطالبيين وكان إماماً في علم الكلام والأدب والشعر وهو أخو الشريف الرضي وله تصانيف على مذهب الشيعة ومقالة في أصول الدين وله الكتاب الذي سماه (الغرر والدرر) وهي مجالس أملاها تشتمل على فنون من معاني الأب تكلم فيها على النحو واللغة وغير ذلك وهو كتاب ممتع يدل على فضل كثير وتوسع في الاطلاع على العلوم وذكره ابن بسام في أواخر كتاب الذخيرة فقال : 

كان هذا الشريف إمام أئمة العراق اليه فزع علماؤها ومنه أخذ عظماؤها ، صاحب مدارسها وجماع شاردها وأنسها ، ممن سارت أخباره وعرفت به أشعاره وتصانيفه في أحكام المسلمين ممن يشهد انه فرع تلك الأصول ومن ذلك البيت الجليل ، وأورد له عدة مقاطيع . اقول وأمه هي فاطمة بنت الحسين ابن احمد بن الحسن بن الناصر الاصم وهو ابو محمد الحسن بن علي بن عمر الأشرف ابن علي بن أبي طالب وهي ام اخيه ابي الحسن الرضي . 

حكي عن القاضي التنوخي صاحب السيد المرتضى انه قال : إن مولد السيد سنة 355 وخلف بعد وفاته ثمانين الف مجلد من مقررآته ومصنفاته ومحفوظاته ومن الأموال والأملاك ما يتجاوز عن الوصف ، وصنف كتاباً 

يقال له الثمانين وخلّف من كل شيء ثمانين وعمّر احدى وثمانين سنة من أجل ذلك سمي الثمانيني وبلغ في العلم وغيره مرتبة عظيمة قُلّد نقابة الشرفاء شرقاً وغرباً وإمارة الحاج والحرمين والنظر في المظالم وقضاء القضاء وبلغ على ذلك ثلاثين سنة . انتهى . 

وفي أمل الآمل مولده في رجب وتوفي في شهر ربيع الأول ، وفي روضات الجنات لخمس بقين منه وذكر قسماً من مؤلفاته ومنها : التنزيه في عصمة الأنبياء ، الرسالة الباهرة في العترة الطاهرة ، إنقاد البشر من القضاء والقدر وقال : 

وذكره الشيخ في الفهرست واثنى عليه وذكر من مؤلفاته ثمانياً وثلاثين وكذلك النجاشي والعلامة . 

وقال صاحب روضات الجنات : كان الشريف المرتضى أوحد أهل زمانه فضلا وعلما وكلاماً وحديثاً وشعراً وخطابة وجاها وكرماً الى غير ذلك . قرأ هو وأخوه الرضى على ابن نباتة صاحب الخطب وهما طفلان ، ثم قرأ كلاهما على الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان قدس سره وكان المفيد رأى في منامه أن فاطمة الزهراء عليها السلام دخلت عليه وهو في مسجده بالكرخ ومعها ولدها الحسن والحسين عليهما السلام وهما صغيران فسلّمتهما اليه وقالت : علّمهما الفقه ، فانتبه الشيخ وتعجب من ذلك فلما تعالى النهار في صبيحة تلك الليلة التي رأى فيها الرؤيا دخلت عليه المسجد فاطمة بنت الناصر وحولها جواريها وبين يديها ابناها علي المرتضى ومحمد الرضي صغيرين فقام اليهما وسلّم عليهما فقالت له : ايها الشيخ هذان ولداي قد أحضرتهما اليك لتعلمهما الفقه فبكى الشيخ وقصّ عليه المنام وتولى تعليمهما وأنعم الله عليهما وفتح الله لهما من أبواب العلوم والفضائل ما اشتهر عنهما في آفاق الدنيا وهو باق ما بقي الدهر . 

وكان رحمه الله نحيف الجسم حسن الصورة كما في روضات الجنات وقال : 

كانت وفاته رحمه الله لخمس بقين من شهر ربيع الأول سنة ست وثلاثين وأربعمائة وصلى عليه ابنه ابو جعفر محمد ، وتولى غسله أبو الحسين أحمد بن الحسين النجاشي ومعه الشريف ابو يعلى محمد بن جعفر الجعفري وسلار بن عبد العزيز الديلمي ودفن أولا في داره ثم نقل الى جوارجده الحسين ودفن في مشهده المقدس مع أبيه وأخيه وقبورهم ظاهرة مشهورة . 

وقال سيدنا العلامة الطباطبائي في كتابه (الفوائد الرجالية) عند ذكره للسيد المرتضي بعد التعظيم له . وفي زهر الرياض للحسين بن علي بن شدقم الحسيني المدني صاحب مسائل شيخنا البهائي قال: وبلغني ان بعض قضاة الاروام وأظنه سنة 942 نبش قبره فرأه كما هو لم تغيّر الأرض منه شيئاً وحكى مَن رأه أن أثر الحِنّاء في يديه ولحيته وقد قيل ان الارض لا تغيّر أجساد الصالحين . 

قلت والظاهر أن قبر السيد وقبر أبيه وأخيه في المحل المعروف بإبراهيم المجاب وكان ابراهيم هذا هو جد المرتضى وحفيد الإمام موسى عليه السلام ، وصاحب أبي السرايا الذي ملك اليمن والله أعلم . أنتهى .

قال يذكر جده الحسين عليه السلام ومن قتل معه : 

يـا دارُ دارَ الـصَوم iiالقُوّم      كـيف خـلا أفقك من أنجم

عـهدي بـها يرتع iiسكّانُها      فـي  ظلّ عيشٍ بينها iiأنعَم

لم  يُصبحوا فيها ولم iiيغبُقوا      إلا  بـكأسى خـمرَة iiالأنعَم

بـكيتها مـن أدمُعٍ لو iiأبَت      بـكـيتها واقـعة مـن iiدم

وعُـجت فـيها راثياً iiأهلها      سَـواهم  الأوصال والمَطلم

وقال يرثي جده الحسين عليه السلام ويذكر آل حرب : 

وقال يذكر مصرع جده الحسين عليه السلام : 

أأُسـقى نـميرّ الـماء ثـم يلذّ iiلي      ودوركـم  آل الـرسول خَـلاء ii؟

وأنـتم كـما شـاء الشتات iiولستم      كـما  شـئتم فـي عـيشةٍ iiوأشاء

تـذادون عـن ماء الفرات iiوكارع      بــه  إبــلٌ لـلغادرين iiوشـاء

تـنشرّ  مـنكم فـي القَواءِ iiمعاشر      كـأنـهم  لـلـمبصرين iiمُــلاء

ألا إن يـوم الـطف أدمى محاجراً      وأدوى قـلـوباً مــا لـهنّ iiدواء

وقال يرثي جده الحسين عليه السلام ويستنهض المهدي عليه السلام لثاره في الأنام : 

قـف  بـالديار iiالمقفرات      لـعبت بـها أدي iiالشتات

فـكـأنـهن iiهـشـائـم      بـمرور  هوج العاصفات

فـإذا  سـألت فليس iiتس      أل غـير صـمٍ iiصامتات

خـرسٍ  يخلن من iiالسكو      تِ  بـهن هام iiالمصغيات

عـج بـالمطايا iiالـناحلا      تِ على الرسوم iiالماحلات

الــدارسـات iiالـفـانيا      ت  شـبـيهة iiبـالباقيات

واسـأل  عن القتلى الألى      طرحوا  على شطّ iiالفرات

شُـعثٌ لـهم جُممٌ iiعصي      ن عـلى أكف iiالماشطات

وعـهـودهـن iiبـعـيدة      بـدهـان ايـدٍ iiداهـنات

ومن روائعه قوله : 

ومن السعادة أن تموت وقد مضى      مـن قـبلك الـحُساد والأعـداء

فـبقاءُ  مَـن حُـرِمَ المراد فناؤه      وفـناء مـن بـلغ الـمراد iiبقاء

والـناس مـختلفون في iiأحوالهم      وهـم إذا جـاء الـردّى iiأكـفاء

وطـلاب مـا تفنى وتتركه iiعلى      مـن ليس يشكر ما صنعت iiعناء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

1) ادب الطف مصدر سابق  ـ الجزء الثاني :  241

2) إعلام الورى باعلام الهدى " للطبرسي من أعلام ق 6 ه‍: ص 284، ط 3 دار الكتب الاسلامية.

3) تاريخ الكوفة: ص 408.

4) الكليني والكافي- الشيخ عبد الرسول الغفاري (1/  52)

5) ذكره الشهيد في أربعينه .

 

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك
فيسبوك