ليلة القدر خير من الف شهر


(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)

البيان الفصل الذي يوازي خلق آدم الخليفة في الارض وهو القران الكريم  انزله الله تعالى في ليلة من العشر الاواخر من شهر رمضان المبارك. وتقديسا منه جل وعلا جعلها ليلة القدر .

 والقدر ليس من عالم الخلق يحيطه المكان ويقطعه الزمان بل من عالم الروح والأمر حيث تقدر الارزاق والآجال والأقدار من لدنه جل وعلا ، ويشرف على ذلك خلق مختصون هم الملائكة. ولذا فان ادراكها من قبل العبد يحتاج الى توفيق الله تعالى وقد تجلت تلك الحكمة في اخفائها.

لذا فقد اخطرنا الله تعالى ان اذا ادرك الله عبدا من عباده قي تلك اليلة تارك للدنيا متعبدا لله خاشعا ، او في اي وضع يرضاه جل وعلا ، فلاشك انه المنان المتفضل الحنان الشكور الغفور ؛ سيقدر له ايضا المرضي من الامر ، وقد شاء ان يجعل العمل المرضي في تلك الليلة خير وأفضل من العمل المرضي في الف شهر.

وقوله تعالى: ( تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ )، يعني ان الملائكة وهم عبيد الله المختصون الذين لا يعصون الله ما امرهم ويفعلون ما يؤمرون ، واما الروح ؛ فهو الملك الاعظم من امر الله المتابع لعمل الملائكة بما شاء الله تعالى لتمام وكمال تنفيذ اوامره جل وعلا فيما قدر في عالم الخلق وفيما قضى في عالم الامر.

قال تعالى : { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [الدخان: 3 - 6].

ولكن ما هو عالم الامر:

ان الوجود والموجودات تبدأ عند الله تعالى بعالم الخلق ؛ وهو عالم التصميم والبرء والتصوير ( الخالق الباريء المصور) ،  فالخلق عالم في تقدير الله وتدبيره تعالى يسبق كل وجود ، وأما عالم الامر فهو عالم الروح والحاكمية والسلطة ، يتحقق في اظهار المخلوق المراد الى حيز الوجود بقوله تعالى كن فيكون({إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40].

وفي تفسير الأمثل لقوله تعالى : (ألا له الخلق والأمر) يقول:

(( بالنظر إلى القرائن الموجودة في هذه الآية ـ والآيات القرآنية الأُخرى يستفاد أنّ المراد من «الخلق» هو الخلق والإيجاد الأوّل. والمراد من «الأمر» هو السنن والقوانين الحاكمة على عالم الوجود بأسره بأمر الله تعالى ، والتي تقود الكون في مسيره المرسوم له))(1).

فبعد ان يصمم الله تعالى الكائن ويقدره تقديرا ؛ يصير الى عالم الخلق ، وبعد ارادة الله تعالى في ابرازه الى الوجود يصير الى عالم الامر.

وجاء في التبيان في تفسير القرآن في تفسير الاية:

(وقوله " ألا له الخلق والأمر " إنما فصل الخلق من الأمر لان فائدتهما مختلفة " لان له الخلق " يفيد أن له الاختراع ، " وله الامر " معناه له أن يأمر فيه بما أحب فأفاد الثاني ما لم يفده الاول. فمن استدل بذلك على أن كلام الله قديم ، فقد تجاهل لما بينا ، ولو كان معناهما واحدا لجاز أيضا مع اختلاف اللفظين)(2).

وفي تفسير نور الثقلين للاية المذكورة:

(في الخرايج والجرايح قال أبوهمام : سئل محمد بن صالح أبا محمد عليه السلام عن قوله تعالى " لله الامر من قبل ومن بعد " فقال : له الامر من قبل ان يأمر به ، وله الامر من بعد ان يأمر به مما يشاء ، فقلت في نفسي : هذا قول الله : الا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين فأقبل علي وقال : هو كما اسررت في نفسك : " الا له الخلق وألامر تبارك الله رب العالمين )( 3) .

وفي تفسير الصافي بفسر الاية:

( ألا له الخلق): عالم الأجسام. (والأمر): عالم الأرواح. تبارك الله رب العالمين : تعالى بالوحدانية في الالوهية ، وتعظم بالفردانية في الربوبية)(4).

ان عالم الامر هو عالم الحاكمية والهيمنة والاستطالة والنفوذ ، فبعد الخلق والتقدير في علم الله، ياتي العرش ليكون مصدر الامر والظهور بالاستواء وتدبير الامر، فما العرش الا مجموعة السنن الكونية الفاعلة في تجبير الامر.. قال تعالى:

{إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [يونس: 3].

والامر لا يتضح في معناه الحاكم النافذ المهيمن في الموجودات فحسب بل في القدرة على الايجاد ومنح القدرة على الايجاد والاختيار ومؤهلات الايجاد والاختيار في الانسان كالسمع والابصار:

{قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس: 31]

ولو لاحظنا ايات من سورة الواقعة تدل على ان مجريات الامر والتدبير لاستمرار الوجود والحياة والتنمية والتكامل كلها تتم من قبل الله تعالى: {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (57) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (62) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ} [الواقعة: 57 - 73]

بمعنى ان امر الله تعالى يتولى امر قيام الوجود واستمرار الوجود بادق التفاصيل ؛ فخلق الانسان من مني يمنى، وتولى زراعة الحرث وما ينتج عنه من ثمار وحبوب شتى ، والماء اساس الوجود تولى دورته في الطبيعة ووزعه بحكمة بالغة ، والطاقة اساس الفعل والنشاط ارساها في الشجر نسترجعها بالغذاء وبحرق الوقود وما خزنه الله منها فيه. فاليه يرجع الامركله: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [هود: 123].

والكون بكل عجائبه هو آثار لامر الله تعالى:

{اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد: 2].

فامر الله تعالى ؛ فعل قائم وعدل دائم ، عاجل كلمح البصر او هو اقرب:

{وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا } [النساء: 47]

{قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ } [الأعراف: 29]

{وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [النحل: 77].

ولذا فان الله تعالى يوكل ملائكة بامره ليتم وقد جعلهم لا يعصون ما امرهم ويفعلون ما يؤمرون: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [النحل: 50] وقال تعالى: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].

ومن باب تفسير القران بالقران ؛ جاء قي تفسير مجمع البيان لقوله تعالى:  (( فالمدبرات أمرا » فيها أقوال أيضا ( أحدها ) أنها الملائكة تدبر أمر العباد من السنة إلى السنة عن علي (عليه السلام) ( و ثانيها ) أن المراد بذلك جبرائيل و ميكائيل و ملك الموت و إسرافيل (عليه السلام) يدبرون أمور الدنيا فأما جبريل فموكل بالرياح و الجنود و أما ميكائيل فموكل بالقطر و النبات و أما ملك الموت فموكل بقبض الأنفس و أما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم عن عبد الرحمن بن سابط (وثالثها) أنها الأفلاك يقع فيها أمر الله تعالى فيجري بها القضاء في الدنيا رواه علي بن إبراهيم ))( 5).

نسال الله تعالى ان يوفقنا لنشهد ليلة القدر ونحن في وضع يرضي الله من العبادة والطاعة له وان يوفقنا للورع عن معاصيه ومحارمة لنحظى بعوائدة وغني موائده وبحكيم قدره وبالرحمة من امره وبالسعة من رزقه والمغفرة للذنوب وان يفسح لنا بالآجال في عافية وطاعة له وان يؤتينا من حكمته والأفضل من رضوانه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش البحث:

1 ) تفسير الأمثل - مكارم الشيرزي (5/  75)

2 ) التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي (4/  424)

3 ) تفسير نور الثقلين (3/  43) ، نقلا عن : الخرائج والجرائح 2: 686، الحديث: 8، عن حسن على العسكري عليهما السلام

4 ) التفسير الصافي (2/  243)

5 ) تفسير مجمع البيان - الطبرسي (10/  227)

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك