نداء المرجعية الدينية لتحقيق التعايش الإجتماعي والثقافي بين أهل الأديان والمذاهب


الذي وجهته في الخطبة الثانية من صلاة الجمعة من مدينة كربلاء المقدسة

والذي حَمَّلَتْ فيه القيادات الدينية والسياسية مسؤولية إنجاح هذه المهمة وتفعيلها

المقدمة الموضوعية

بعد ظهور حالات العنف والإرهاب في العقود الأخيرة داخل البلاد العربية والإسلامية وحتى داخل الدول الأوروبية وبعد نشوء حركات منظمة جاهلة مُخْتَلَقَة مُصَنَّعَة بإسم الإسلام كان من تداعياتها خلق جيل فهم الإسلام بشكل خاطئ وحارب الناس بعقيدة فاسدة تختلف تماماً عن تعاليم القرآن والسنة الصحيحة وسعى إلى تَبَنّى الأخبار الكاذبة التي حوتها كُتُبِ الضَلالة وإعتماد فتاوى المُضَلِّلِين المدعومة من قبل الأنظمة العميلة ودعم الدول العظمى الطامعة بخيرات الجزيرة العربية مما أدى الى الخراب والدمار وقتل الآلآف من الأبرياء وامتد ذلك الى خلق عنف وإرهاب مضاد على مستوى الجماعات والأفراد في مختلف أنحاء العالم كرد فعل لذلك الإرهاب وبذلك ساعد على إنتشار الإرهاب المضاد كما حدث في العديد من الدول الأوروبية.

الأسباب والعلل الداعية الى الإهتمام بإقامة العلاقات الإجتماعية والثقافية المعتدلة

إن من أهم الأسباب الموجبة لتوجيه نداء إلى كافة القيادات الدينية والسياسية المختلفة هو الإهتمام بتفعيل فكرة التعايش السلمي في المجتمعات التي تتشكل من أطياف دينية ومذهبية مختلفة وتتميز بحالة من التعددية العقائدية وذلك للحيلولة دون الإنزلاق في أجواء الكراهية بين المسلمين أنفسهم من جهة، وبين المسلمين وأهل الكتاب وغيرهم من جهة أخرى، والقضاء على كافة التوجهات الإرهابية وأعمال العنف، ويفهم من ذلك شمول نداء المرجعية لكافة القيادات الإسلامية وغير الإسلامية للإسهام في درء خطر الإرهاب وتداعياته سواء كانت هذه القيادات:

أولاً: داخل العراق.

ثانياً: داخل الدول العربية والإسلامية.

ثالثاً: داخل الدول الأوروبية التي يكون غالبيتها من أهل الكتاب.

ويتبين لنا أن الهدف العام من نداء المرجعية الدينية هو إشاعة روح الإعتدال والمحبة وأجواء التسامح والتشجيع على حالة السلم الأهلي والدولي ويمكن أن يكون ذلك مشروعاً للوحدة الإنسانية، وهذا المشروع يعالج ويلبي حاجة الناس الى الوحدة فيما بينهم رغم تعدد الديانات والعقائد وقد تبنت المرجعيات الدينية في العالم الإسلامي وخاصة مرجعية النجف الأشرف ومرجعية قم وبقية المرجعيات الأخرى مثل هذا المشروع. وقد أسهمت العديد من الجاليات العربية والإسلامية التي تعيش في الغرب في الكثير من الأنشطة التي تدعوا الى التعايش السلمي وإقامة الحوارات بدلاً عن لغة الصدام والصراع، ونظمت مؤتمرات عالمية وندوات دعت إليها المسلمين على مختلف مذاهبهم الى الحضور والى تشجيع الوحدة الإجتماعية والثقافية المبنية على إلإحترام المتبادل بين الناس وبمشاركة شخصيات مختلفة من رجال الدين وطبقات المثقفين من أهل الكتاب ومن بلدان مختلفة، وقد نجحت هذه المؤتمرات في توسيع دائرة الثقافة السلمية وتوفير أجواء التقارب بين المسلمين أنفسهم وبينهم وبين أهل الكتاب.

قال تعالى:( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ). (۱) البقرة (٢) : ٢۱٣ .

وقد جاء في كتاب اعلام الهداية: لقد قضت حكمة الله ورحمته بإرسال الأنبياء حاملين إلى الإنسانية منهاج هدايتها الذي يخرجها من عهد الغريزة إلى عهد العقل، ومن منطق الصراع الذي مرجعه الغريزة والقوّة إلى منطق النظام ومرجعه القانون. وخرج المجتمع البشري بالنبوّات عن كونه تكويناً حيوانياً ـ بيولوجيّاً إلى كونه ظاهرة عقلية روحية وحققت النبوّات للإنسان مشروع وحدة أرقى من وحدته الدموية البيولوجية ... وهي الوحدة القائمة على أساس المعتقد، وبذلك تطوّرت العلاقات الإنسانية مرتفعة من علاقات المادة إلى علاقات المعاني . والاختلافات التي نشأت في النوع الإنساني بعد إشراق عهد النبوّات غدت اختلافات في المعنى، واختلافات في الدين والمعتقد; فإن أسباب الصراع لم تُلغ بالدين الذي جاءت به النبوّات بل استمرّت وتنوّعت، ولكن المرجع لم يعد الغريزة بل غدا القانون مرجعاً في هذا المضمار . والقانون الذي يتضمنه الدين يكون قاعدة ثابتة لوحدة الإنسانية وتعاونها وتكاملها. راجع ماجاء في كتاب اعلام الهداية (الجزء الأول) محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء الصادر عن المعاونية الثقافية للمجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام ط ٦،۱٤٣٠ه ٢٠٠٩ م  لبنان بيروت – حارة حريك – قرب المهنية العاملية. في صفحة ( ٣٤- ٣٥). مانصه: وتحت عنوان مضمون الظاهرة الربانية والإنسانية .

خاتمة

في النهاية نقول إن جميع ماجاءت به الشرائع السماوية وانعقد عليه عمل الأنبياء والرسل هو الدعوة الى السلام وإشاعة روح المحبة والتعايش الإجتماعي والثقافي لأنها تنبع من نفس المصدر الإلهي وهي مهمة عظيمة يجب على كافة القيادات الدينية والسياسية في العالم أن تتصدى لها بعين الواجب، وإن تحقيق أهداف نداء المرجعية الرشيدة وعلى رأسها سماحة آية الله العظمى السيد علي السيستاني حفظه الله وأدام ظله الوارف من الأولى أن تبدأ من داخل العراق لتعم فائدتها جميع أقطار العالم العربي والإسلامي ومن ثم جميع دول العالم وبالخصوص شعوب تلك الدول. يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ سورة الحجرات الآية ۱٣ سورة ٤٩.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر

الخطوط العريضة لنداء المرجعية الرشيدة على لسان سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي حفظه الله في الخطبة الثانية من صلاة الجمعة العبادية التي القيت في العتبة الحسينية في مدينة كربلاء المقدسة بتاريخ ٣٠ \ ٦ \ ٢٠۱٧.

كتاب اعلام الهداية (الجزء الأول) محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء الصادر عن المعاونية الثقافية للمجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام ط ٦،۱٤٣٠ه ٢٠٠٩ م  لبنان بيروت – حارة حريك – قرب المهنية العاملية.

إعتماداً موقع السراج في الطريق الى الله للشيخ حبيب الكاظمي حفظه الله وأطال عمره لضبط بعض آيات القرآن الكريم المستشهد بها.

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك
فيسبوك