صلة الرحم في زمن الحاجة


محمد رضا عباس

 

اخبار حزينة ومؤلمة نقرأها على صفحات الصحف العراقية من تصرفات بعض الافراد مع أهاليهم وأبنائهم. أولاد يرمون اباءهم في الشارع بدون مأوى ومال , امرأة تريد التخلص من ابناءها فتعرضهم للبيع , واب يترك أولاده في الطريق العام حتى يرضي زوجته الثانية. كل هذه القصص المفجعة والمأساوية وراءها العازة المالية , الفقر , و قلة الوازع الديني والإنساني.

لا توجد مثل هذه الظواهر في الدول المتقدمة , وان وجدت فان الحكومات المحلية تقوم بسرعة انقاذ الضحايا والقاء المتهمين في السجون . في الدول المتحضرة , تتوفر برامج كثيرة مالية وعينية الى الفقراء . في الولايات المتحدة الامريكية , على سبيل المثال , هناك برنامج تمنح فيه أولاد الفقراء رواتب شهرية , وهناك برنامج او وكالات مسؤولة بتقديم الأغذية للأطفال الرضع وامهاتهم , وهناك برنامج يمنح العاطلين عن العمل أجور شهرية حتى يجدوا عملا مناسب لهم , وهناك برامج متنوعة للمتقاعدين , وهناك برامج توفر للعجزة الممرضات لخدمتهم في بيوتهم , وهناك دور عجزة لكبار السن تتوفر فيه جميع أنواع الرعاية الصحية والترفيهية لهم.

في الدول المتقدمة , لا يموت مواطن من الجوع او قلة الدواء , لان هذه الدولة تعتبر نفسها الراعية والمسؤولة لتوفير الرعاية لجميع مواطنيها . يضاف الى ذلك هو مشاركة المواطن في توفير المساعدات المالية الى الجمعيات الخيرية والتي تشمل الانسان والحيوان والشجر والبحر. فبالإضافة لوجود المئات من الجمعيات الخيرية التي تعتني بالفقراء والمرضى والبحوث , فهناك أيضا , جمعيات رعاية الحيوان , وهناك جمعيات حماية البحار , وهناك جمعيات حماية الغابات . لقد بلغت تبرعات المواطن الأمريكي الى الجمعيات الاخيرية أكثر من 20 مليار دولار عام 2016.

هناك افراد في المجتمعات المتحضرة يموتون في الشوارع او تحت الجسور , ولكن هؤلاء قد اختاروا لأنفسهم هذا الطريق على الرغم من المحاولات الحكومية لانتشالهم من واقعهم . هؤلاء اختاروا هذا الطريق من العيش اما بسبب ادمانهم على تناول المخدرات او بسبب اصابتهم بالأمراض العقلية.

لا أتوقع ان يقوم العراق بتوفير ما تقدمه الدول المتقدمة لفقراها في الزمن المنظور , وذلك بسبب الازمة المالية التي يمر بها, انشغال الحكومة في إعادة بناء المدن المحررة من تنظيم داعش الاجرامي , وكثرة عدد الفقراء في العراق . ان اعدد اليتامى وارامل كبير جدا ولا تستطيع دولة بحجم العراق وامكانيته المالية توفير ما يحتاجونه. ما العمل؟

جميع الأديان السماوية والغير السماوية تشجع اتباعها على العطاء وتوفير الخدمات الى الفقراء. نبي الإسلام واهل بيته تركوا احاديث واقوال تملا كتب من الحجم الكبير تحث الاتباع على العطاء , الصدقة, صلة الرحم , احترام الغير , الاعتناء بالوالدين , العطف على الأبناء , والعطف على الحيوان . الإسلام اكتشف منذ أربعة عشر قرنا ان أساس الاستقرار الأمني والسياسي والتقدم الحضاري لا يتم الا من خلال التواصل الاجتماعي وتقديم العون المالي والعيني للفقراء من الاقرباء وغير الاقرباء. حتى ان الرسول الاكرم اشترط دخول الجنة بالعطاء , حيث جاء في حديث له ” ما من ذنب اجدر من ان يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الاخرة من قطيعة الرحم والخيانة والكذب”, وجاء في حديث اخر ” ان الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم ” . وجاء عن امير المؤمنين انه قال ” اقبح المعاصي قطيعة الرحم والعقوق “, وعن الصادق ” الذنوب التي تعجل الفناء , قطيعة الرحم”.

مشاركة الفقراء بالمال لا تتوفر الا بإنسان امتلاء قلبه بحب الاخرين واحترام ادميتهم ويألم بألم الأطفال والمعوزين. فرد لا يسره ان ينظر الى مريض لا يستطيع توفير كلفة دوائه او عائلة لا تستطع توفير اكل يومها , او أطفال لا يملكون ما يلبسونه في العيد . هذا المواطن وعده الرسول الاكرم بأعلى المراتب في الدنيا والاخرة. , حيث يقول عليه السلام ” ان الصدقة لتطفئ عن أهلها حر القبور , وانما يستظل المؤمن يوم القيامة في ظل صدقته”, و يقول ” ان الصدقة لتطفئ غضب الرب”, ويقول أيضا ” الصدقة تدفع البلاء , وهي انجح دواء , وتدفع القضاء”. وعن الباقر انه قال ” البر والصدقة ينفيان الفقر ويزيدان في العمر ويدفعان سبعين ميتة سوء”. وعنه أيضا , انه قال ” اول اهل الجنة دخولا الى الجنة اهل المعروف”.

لماذا يشدد الإسلام على أصحاب المال الاعتناء بالفقراء والمعوزين؟ لان انقسام المجتمع بين فقير معوز وغني متخم يخلق الكره والبغضاء والجريمة في المجتمعات. البخل يخلق التعالي ويزرع الحقد والكراهية على الاخرين. ومن ليس له التزام ديني او انساني , فان كثرة المال تقودهم الى الفساد والمكابرة والابتعاد عن مشاكل مجتمعاتهم الحقيقية . فقد جاء عن امير المؤمنين علي بن ابي طالب انه قال ” صاحب المال متعوب”, وعنه ” المال وبال على صاحبه الا ما قدم منه”, وعنه ” حب المال يوهن الدين ويفسد اليقين”, وعنه أيضا ” كثرة المال تفسد القلوب وتنسى الذنوب”.

المنفقون على الفقراء والمعوزين يربحون الحب والاحترام أينما حلوا , فهم محبوبون من اقربائهم وجيرانهم وأبناء مدنهم . محترمون وهم يمرون بالأسواق وبين معارفهم ويتفقدهم الناس في غيابهم. وان ماتوا , يستذكرهم الناس بالرحمة والغفران , وفي اغلب الأحيان لا يموتون وهم فقراء , حيث ان من يعطف على الاخرين لا يترك أولاده بدون مال او عمل يعتاشون عليه . فقد جاء في حديث للنبي الأعظم , انه قال ” ما نقص مال من صدقة قط فأعطوا ولا تجبنوا”. وعن الامام علي , انه قال ” من ايقن بالخلف جاد بالعطية”. وجاء عن الامام الصادق ” ما احسن عبد الصدقة في الدنيا الا احسن الله الخلافة على ولده من بعده”. وعنه أيضا , انه قال ” ” ان الصدقة تقضي الدين وتخلف بالبركة”.

الوقوف على حاجات المواطنين لا يعني بالمال فقط , وانما يشمل أيضا تفقدهم والسؤال عن احوالهم . زيارة المريض والقادمين من السفر البعيد ومشاركة الاخرين بأفراحهم واتراحهم هو شكل اخر من اشكال الصدقة والتكافل الاجتماعي الذي ينتشر بفضلها الحب والالفة بين أبناء المجتمع الواحد. فقد جاء عن الرسول الاكرم ان ” هجر المسلم اخاه كسفك دمه”, وجاء عنه ايضا ” يا أبا ذر اياك وهجران اخيك فان العمل لا يتقبل من الهجران “. وجاء عن سيد البلغاء علي بن ابي طالب ” أمرني ربي مداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض”.

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك
فيسبوك