فُرْصَةُ خَيرٍ في شَهْرٍ كَرِيم

226 2020-04-28

في كلمة من روائعه  يقول إمامنا أمير المؤمنين علي (عليه السلام): (انتهزوا فرص الخير فإنها تمرُّ مرَّ السَّحاب).

    إنًّ مِمّا لا شَكَّ فيه أَنَّ الله تَبارَكَ وَتَعالى هُوَ مَنْ يُوَفِّرُ فُرَصَ الخَيْرِ وَالرَّحْمَةِ لِعِبادِه..إنعامَاً وَتَفَضُّلاً عَلَيهِم وَرَحْمَةً بِهِم و إلقاءاً لِلحُجَّةِ عَلَيهِم، فَهُوَ مَنْ أفاضَ الوجُودَ عَلى الإنسانِ وَوَهَبَ لَهُ العَقْلَ وَأرسَلَ الأنبياءَ لِهِدايَتِه وَقيادَتِه إلى كُلِّ خَيْرٍ وَبِرٍ وَهوَ القائِلُ في كِتابِه العَزيزِ ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ ، لأَنَّ جَميعَ النِّعَمِ المادّيَة وَالمَعنَويَّة لِلخالِقِ شَمَلَتْ جَميعَ الوجودَ وَعَلاوَةً عَلى ذلِك فإنَّ ما نَعْلَمُهُ مِنَ النِّعَمِ بِالنِّسبَةِ لِما نَجْهَلُهُ مِنها كَالقَطْرَةِ في مُقابِلِ البَحرِ الخِضَم..وَلَعَلَّ شَهْرَ رَمَضانِ المُبارَك يُشَكِّلُ واحِدَةً مِنْ أَعْظَمِ وَأكْبَرِ وَأَروَعِ النِّعَمِ لِما فِيهِ مِنْ فُرَصِ التَّزَوّدِ مِنْ فُيوضِ الخَيرِ وَالبَرَكَةِ التي تَعَطَّفَ الله تَعالى بِها عَلَينا وَهذا ما بَيَّنَهُ النَّبِيُّ الأَكرَمُ (صَلّى الله عَلَيهِ وَآله وَسَلَّم) في خُطبَتِهِ المُبارَكَةِ لاستِقبالِ هذا الشَّهْرِ الكَريمِ..حَيْثُ يَقولُ في بَعْضِ مَقاطِعها: ((أَيُّها النّاس.. إِنَّهُ قَدْ أقْبَلَ إليْكُم شَهْرُ الله بَالبَرَكَةِ وَالرَّحمَةِ وَالمَغفِرَة، شَهْرٌ هُوَ عِنْدَ الله أَفْضَلُ الشّهورِ، وَأَيّامُه أَفضَلُ الأيّام، وَلَيالِيه أَفضَل اللّيالي، وَساعاتُه أَفضَل السّاعات، هُوَ شَهْرٌ دُعِيتُم فِيهِ إِلى ضِيافَةِ الله، وَجُعِلْتُم فِيه مِن أَهْلِ كَرامَةِ الله، أَنفاسُكُم فِيهِ تَسْبيحٌ، وَنَومُكُم فِيهِ عِبادَةٌ، وَعَمَلُكُم فِيهِ مَقبولٌ، وَدُعاؤكُم فِيهِ مُسْتَجابٌ...)) فَما أَعْظَمَها وَأَجَلَّها مِنْ نِعْمَةٍ أَنْ يَدْعوَنا رَبُّ العالَمينَ لِضِيافَتِه وَيُغدِقَ عَلَينا مِنْ نَفَحاتِ كَرامَتِه فَيَقبِلُ الأعمال وَيَسْتَجيْبُ الدُّعاء وَكُلُّ هذا لا لِحاجَةٍ مِنْهُ إِلَينا بَلْ مَنّاً مِنهُ وَتَكَرُّماً وَتَرْبِيَةً لَنا لِنَكونَ مِنْ عِبادِهِ الصّالِحينَ..وَفي المُقابِلِ ما أَقْساهَا مِنْ حَسرَةٍ أَنْ تَمُرَّ هذه الفَيْنَةُ الوَجيزَةُ مِنْ الزَّمَنِ دُونَ التَّزَوُّدِ لِلقاءِ الله الوَشيكِ وَإِن امتَدَّ العُمْرُ بِالإنسانِ ..يَقولُ أَميرُ المُؤمِنين (عَلَيهِ السَّلام): (أشدُّ الغُصَصِ فَوْتُ الفُرَصِ) وَهَلْ هُناكَ غُصَّةٌ كَغُصَّةِ فَوْتِ المَغفِرَةِ وَنَيْلِ الثَّوابِ الجَزيل عَلى العَمَلِ القَليل؟!  ألَسْنا نُخاطِبُ رَبَّ الرَّحمَةِ وَالعَطاءِ في مُناجاتِنا (يا مَنْ يَقْبَلُ اليَسيرَ وَيَعفُو عَنِ الكَثِير اقبَلْ مِنَّا اليَسيرَ وَأعْفُ عَنِ الكَثِيرِ..) فَكَيفَ وَنَحْن نَعيشُ أَياماً شاء الله أنَّ مَنْ قَرأَ فِيها آيةً كَمَنْ خَتَمَ القُرآنَ في غَيرِهِ مِنْ الشّهورِ وَمَنْ تَطَوَّعَ فِيه بِصَلاةٍ كَتَبَ الله لَهُ بَراءَةً مِنَ النّار وَمَنْ أدّى فِيه فَرْضَاً كانَ لَهُ ثَوابُ مَنْ أَدّى سَبعينَ فَريضَةً فِيما سِواهُ مِنَ الشّهور وَغَيرِها مِن نِعَمِ مُضاعَفَةِ الأجْرِ وَالثَّوابِ التي قَلَّ نَظيرُها بَلْ قَدْ لا نَجِدُ لَها نَظيرَاً في باقي أيّامِ السَّنَة..((فَلَكَ اللّهُمَّ الحَمدُ عَلى ما أَنعَمَتَ وَأَنتَ أَرحَمُ الرّاحِمين))..

  وَهُنا لَنا كَلِمَة ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾: هُنالك مُحاولاتٌ مُجرِمَةٌ وَمَسعُورَةٌ وَمُخَطَّطٌ لَها بِشَراسَةٍ لَتَشوِيهِ هذا الشَّهْرِ المُبارَكِ وَحَبْطِ العَمَلِ فيه فَمَثَلاً نَجِدُ أَنَّ الكَثيرَ مِنِ الفَضائيّات التلفزيونية المُسَيَّرَةِ مِنْ قِبَلِ أَعداءِ الله وَرَسولِهِ وَبِكُلِّ ما أوتِيَتْ مِنْ عَزْمٍ وَقُوَّةٍ وَسُلطانٍ في سِباقٍ حامي الوَطيس لِعَرضِ (البَرامِج الرَّمضانية المُنَوَّعَة!!)وَالتي أُعِدَّت لَها العُدَّةُ قَبلَ عامٍ كاملٍ لِتَفريغِ هذا الشَّهْرِ المُبارَكِ مِنْ مُحتَواهِ الرّوحي وَالأَخلاقي وَالتَّربَوي،وَجَمعٌ لا يُسْتَهانُ به مِنّا نَشوانٌ مُتَشَوِّقٌ إلى المُسَلسَلِ التّافِه وَالفِلمِ البائِس والبَرنامَجِ المُبتَذَل وَالإعلانِ الرَّخيصِ و..و..عَلى امْتِدادِ الوَقتِ الفاصِلِ بَينَ الإفطارِ وَصَلاةِ الفَجرِ إلى دَرَجَةِ أَنَّ المُعتَكِفَ المُواظِبَ عَلى مُتابَعَتِها لا وَقتَ لَه لِلدُّعاءِ أَو تِلاوَةِ القُرآنِ أَو غَيرها مِنَ القُربات المُؤكَّدَةِ لإحياءِ ليالي شَهْرِ العَطاءِ هذا ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾..فَيا أَيُّها الأَحِبَّةُ في الله الحَذر ثُمَّ الحَذَرَ مِنْ هذه الفِخاخِ التي أَسَّسَ لَها شَياطِينُ الإنس مِن أَعداءِ الإسلام ..هَيّا لِنَشحَذَ الهِمَمَ وَنَتوَجَّهُ إلى مَحْضِ الخَيرِ والرّحمَةِ تَبارَكَ وَتَعالى وَنُقبِلُ بِكُلِّ ذَرَّةٍ مِن جَوارِحِنا إلى العِبادَة فَهو شَهْرُ الوَرَعِ..شَهْرُ الصّلاةِ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ۝ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ وهو شَهْرُ الدُّعاءِ ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ وهذا يَتَطَلَّبُ مِنّا الالتزام والمَواظبة والصَّبر على الطّاعَةِ وَعَنْ المَعصِيَة لِيتَحَقَّقَ الهَدَفُ التَربَويُ الأسمَى مِنْ فِريضَةِ الصِّيامِ المُبارَكَة ﴿لَعلَّكم تتقون﴾.. وَهذِهِ دَعوَةٌ لأنفُسِنا أوّلاً وَلِكُلِّ مَن في قَلبِهِ مِثقالُ ذرّةٍ مِن حُبِّ الله وحُبِّ نبَيِّه الكريم (صَلّى الله عَلَيهِ وَآله وَسَلَّم) وَأهْلِ بَيتِه الطّاهِرين (عليهم السلام) أن نَكونَ ضُيوفَاً مُؤدّبين عِندَ مائِدَة رَبِّ العالمَينَ لِنَحظَ بِالخَيْرِ وَالبَرَكَة في الدُّنيا وَبالنَّعيمِ الأبَدي في الآخِرَة وَهِيَ استِجابَةٌ لِنداءِ القُرآن الكَريم ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ..نَسألُ الله جَلَّتْ قُدرَتُه أنْ نَكونَ مِنْ المَقبولينَ في هذا الشّهْرِ الكريم بَحَقِّ مُحَمَّدٍ وَآله الطّاهِرين ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾.

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك